فخر الدين الرازي
475
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) [ في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ] اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات ، فههنا منعهم من الخيانة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال : الأول : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم إلى قريظة لما حاصرهم ، وكان أهله وولده فيهم . فقالوا يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا ؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه ، أي أنه الذبح فلا تفعلوا ، فكان ذلك منه خيانة للَّه ورسوله . الثاني : قال السدي : كانوا يسمعون الشيء من النبي صَلَّى اللّه عليه وو سلّم فيشقونه ويلقونه إلى المشركين ، فنهاهم اللَّه عن ذلك . الثالث : قال ابن زيد : نهاهم اللَّه أن يخونوا كما صنع المنافقون ، يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . الرابع : عن جابر بن عبد اللَّه : أن أبا سفيان خرج من مكة ، فعلم النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم خروجه وعزم على الذهاب إليه ، فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل اللَّه هذه الآية . الخامس : قال الزهري والكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما هم النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم بالخروج إليها ، حكاه الأصم . والسادس : قال القاضي : الأقرب أن خيانة اللَّه غير خيانة رسوله ، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة ، لأن العطف يقتضي المغايرة . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم ، وجعل ذلك خيانة له ، لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها ، فمن خانها فقد خان الرسول ، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة ، والوديعة / أمانة في يد المودع ، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس ، إذ الخيانة ضد الأمانة ، قال : ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به ، وعلى هذا التقدير : فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ، فكان معنى الآية : إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال . وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية ، فهي داخلة فيها ، لكن لا يجب قصر الآية عليها ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : معنى الخون النقص . كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء . لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . المسألة الثالثة : في قوله : وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وجوه : الأول : التقدير ( ولا تخونوا أماناتكم ) والدليل عليه ما روي في حرف عبد اللَّه ولا تخونوا أماناتكم الثاني : التقدير : لا تخونوا اللَّه والرسول ، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم ، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء ، وأخرى بالواو ، ومنهم من أنكر ذلك . وأما قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيه وجوه : الأول : وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . الثاني : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح ، وحسن الحسن ، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد . نبه تعالى على أنه يجب على العاقل يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب . فقال : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لأنها تشغل القلب بالدنيا ، وتصير حجاباً عن خدمة المولى .